الرئيسية / أقلام وآراء / أزمات إسرائيل العميقة..عبد الغني سلامة

أزمات إسرائيل العميقة..عبد الغني سلامة

منذ نشأتها؛ وإسرائيل تعاني أزمة وجودية، أهم مظاهرها عجزها عن تعريف مصطلحات أساسية، من المفترض أنها تشكل دعائم أساسية تقوم عليها فكرة “الأمة الإسرائيلية” و”القومية اليهودية”، وأهمها تعريف من هو اليهودي؛ إذ أنه لا يوجد تعريف متفق عليه في إسرائيل حتى يومنا هذا لمن هو اليهودي، ولا ما هي الشروط التي يجب استيفاؤها للتهود، ومن هي الجهة المخولة بالتهويد، ولا الفرق بين دولة يهودية، ودولة اليهود.. وقد كانت التعريفات الرسمية لمن هو اليهودي تضع كوابح أمام الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، ولحل هذا الإشكال تمت توسعة تعريف فئة من يسمح لهم بالهجرة إلى إسرائيل، حتى لو لم يطابقوا التعريف التقليدي لليهودي، وذلك لتسهيل هجرة الروس إلى إسرائيل. (هنيدة غانم، تقرير مدار).
المظهر الثاني عجز إسرائيل عن تعريف نفسها، على نحو يخلو من التناقض، فهي تريد قسرا، وخلافا لقانون الطبيعة أن تجمع بين المتناقضات؛ أي بتعريف نفسها دولة يهودية، قومية، علمانية، ديمقراطية!
وهذا يعود لأن الصهيونية سعت بدايةً لدمج الديني بالقومي، أي المزج بين الأساس والجوهر الديني، والدعوة ذات المنزع القومي، والمظهر العلماني وصهرها معا في إطار دولة، وخلق أمة؛ وهذا يتنافى مع تعريف الأمة الحديثة، فالأمة تكون أمة لدولة، لا مجموعة إثنية. وتقوم الهوية القومية على أسس موضوعية وتاريخية، أو تتجلى من خلال إنشاء الجماعة المُتخيّلة. وإذا كانت الهوية الدينية تمثل عنصراً في عملية إنشاء الجماعة المُتخيّلة، لكنها لا تكفي، ولا يمكن أن تنوب عن مكوّنات أخرى أساسية كالذاكرة التاريخية، والميراث الثقافي العام، ولا يمكن لعملية الإنشاء أن تحدث، أيضاً، دون وجود طبقة اجتماعية وسطى. (حسن خضر، “الأيام”).
فمشروع دولة إسرائيل بدأ بالأساس كفكرة لم يسبقها تراكم مادي على الأرض. بل على العكس، الخريطة سبقت الأرض، والنظرية سبقت التطبيق، والمثل الوحيد في العالم الذي تجد فيه توجهات قومية متطرفة تلتقي مع توجهات دينية سلفية متطرفة، مستخدمة المصطلحات والتعابير نفسها، هو المثل الإسرائيلي، ما يدل على أنه لا الحركة الصهيونية ولا إسرائيل قامتا بعملية علمنة في جوهر المفاهيم، وإنما في المظهر فقط. (عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة).
وهذه الأزمة نابعة أساسا من كون إسرائيل تتشكل من مجتمع هجين متعدد الأعراق والثقافات، تم تأسيسها في إطار مشروع إمبريالي عالمي، نتج عن تلاقي مصالح الحركة الصهيونية والدول الإمبريالية في أواخر القرن التاسع عشر، الأمر الذي تطلب جلب الجماعات اليهودية من مختلف بقاع العالم (ومعها اختلافاتها وتبايناتها وتناقضاتها)، لتقوم بتأسيس هذا الكيان، الذي أسند إليه دور وظيفي محدد.. فلا يمكن فهم الحركة الصهيونية باعتبارها حركة دينية، أو مجرد حركة قومية، دون النظر إليها في سياقها الكولونيالي.
وبالعودة قليلا بالزمن، سنجد أنه منذ بدايات تأسيس الصهيونية ظهرت معالم الأزمة، فالحركة الصهيونية قامت على أسس ودعاوى دينية، منطلقة من شعارات وأساطير ميثولوجية: الأرض الموعودة، وشعب الله المختار، والحق الديني والتاريخي.. وعلى أساس تصور قبَلي عن الألوهية، فهي جعلت من “يهوه” إلها لبني إسرائيل، وليس إلها لكل الناس، كما جعلت من اليهودي مختارا من الله، وجعلت من اليهودية دينا مغلقا يرفض أتباعه التبشير به، وبسبب فهمهم الضيق والمزعوم لتلك العلاقة الجمعية التي أقامها اليهود مع الله، وتصورهم أن مصيرهم الروحي، مقترن بمصيرهم السياسي، باعتبارهم شعبا عضويا، يدخل بصفته تلك ليس فقط في علاقة مع الأرض، بل وأيضا مع الله. (صلاح سالم، شؤون عربية).
أي أن فكرة إسرائيل، التي تبناها بداية اليهود العلمانيون، فكرة تستند للدين بشكل أساسي، لذلك تظل العلمانية الإسرائيلية ناقصة، بسبب تبرير العلمانيين الإسرائيليين لحاجتهم للمعتقدات الدينية، وهذا يخلق تناقضا في حياتهم، يهربون منه بالتمسك بالتقاليد الدينية.
والغريب أن الصهيونية قامت على أساس تلك الدعاوى الغيبية، الدينية في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تشهد قطيعة نهائية مع الكنيسة وانحسارا لسلطة الكهنوت، وصعود الأفكار القومية العلمانية.. وقد اصطدمت أفكار هرتزل (المتأثر بالقومية العلمانية الأوروبية) مع الحاخامات الذين رأوا أن خلاص اليهود يتمثل بالإخلاص للديانة اليهودية وانتظار المسيح.. وفي ذات الإطار، في مرحلة تواجد اليهود في مجتمعاتهم الأصلية، نشط تيار الاندماج، بفعل عمليات التحديث والتحرر أثناء تشكل الدول الحديثة، الأمر الذي نتج عنه صراع بين أنصار تيار الاندماج (العلماني) الذين شكلوا حركة الاستنارة، وبين السلطات الدينية التي كانت تحكم الغيتوات.
كما ظهرت معارضة قوية في أوساط الجماعات الدينية اليهودية في شرق أوروبا ضد الحركة الصهيونية، وقد أدى ذلك إلى انقسام اليهود المتدينين إلى تيارين: تيار متعاون مع الصهيونية، أضفى عليها شرعية دينية باعتبارها مقدمة وأداة إلهية لتحقيق الخلاص. والتيار الثاني من اليهود المتدينين (الأرثوذكس)، الذين عارضوا الصهيونية واعتبروها خطرا على الوجود اليهودي ومخالفة لتعاليم التوراة.
ومنذ قدوم أول مجموعة يهودية روسية إلى فلسطين العام 1882، وكانت تسمي نفسها “محبة صهيون”، وكان هؤلاء من الصهيونيين غير المتدينين؛ بل إنهم كانوا كارهين لليهودية وتقاليدها، واعتقدوا أن الصهيونية قد حررتهم من ثقل الشتات واضطهاد الدول الأوروبية، وحررتهم أيضا من قيود الحاخامين وسيطرتهم. وكانوا على عكس اليهود المقيمين في فلسطين، والذين كان أغلبهم من المتدينين الذين جاؤوا للسكن في فلسطين لأسباب دينية روحية (لا علاقة لها بمشاريع الصهيونية). إذ إن الحاخامية كانت آنذاك تحرم الهجرة الجماعية إلى فلسطين قبل ظهور المسيح المخلص.
وقد انتقلت تلك التناقضات بين الأوساط اليهودية (في مراحل تأسيس الصهيونية) إلى إسرائيل (بعد قيام الدولة)، ومن ثم تعمقت وأخذت أشكالا وتصدعات عدة، سنناقشها في مقالات قادمة.

————
جزء من دراستي: “إسرائيل والصراع على هوية الدولة والمجتمع”، مجلة “قضايا إسرائيلية” عدد 72.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نبيل عمرو… بين فشل موسكو ولقاء وارسو

الكاتب: د.نبيل عمر وكان بديهيا ان يفشل لقاء موسكو، الا ان بعض ...