الرئيسية / أقلام وآراء / الإسلاميون والحكم: تجارب وأخطاء تستحق المراجعة!!.. د. أحمد يوسف

الإسلاميون والحكم: تجارب وأخطاء تستحق المراجعة!!.. د. أحمد يوسف

بعد انتكاسة الربيع العربي وانتهاء المشهد الدامي الذي قاده تنظيم الدولة (داعش) في العراق وسوريا، ومحاولات ما تبقى لهم من فلول في بعض البلدان تخريب الأمن والاستقرار، لا يبدو أن حال الإسلاميين في العالم العربي يبعث على الاطمئنان، بل يستدعي الخوف والقلق.!!
لم يتمكن الإسلاميون في مشهد الحكم والسياسة من تقديم نموذج يمكن الاتكاء على نجاحاته لتسويق مساعيهم في التغيير والإصلاح، حيث إن ما نعتبره توفيقاً في بعض البلدان كتركيا وماليزيا والمغرب هو في الحقيقة محاولات تكييف للحالة السياسية بعيداً عن الرؤية الطوباوية التي يطرحها بعض الإسلاميين المحسوبين على تيارات معتدلة كالإخوان المسلمين، ولكنهم – في الواقع – هم أقرب في تفكيرهم وتطرفهم إلى السلفية الجهادية!!
إن علينا أن نعترف بأن تجاربنا في الحكم لم تكن موفقة، وأننا نتحمل – لقلة وعينا السياسي – الكثير من الأخطاء التي أودت بنا إلى الفشل؛ لأن معاييرنا في الاختيار قائمة على الولاء وليس الأهلية والكفاءة والقدرة على الإنجاز؛ أي باختصار أننا وسَّدنا الأمر لغير أهله، ومنحنا غير “سُراة القوم” من الجهلة في عالم السياسة والحكم، ومحدودي الرؤية وأصحاب الحناجر من الدعاة صدارة مشهدٍ لا يملكون أدوات العمل به ولا خبرة لهم فيه ولا حنكة، فكان التخبط والمصائب التي يصعب – للأسف – إقالة عثار رجالها من ذوي الهيئات!!
إن هناك من الإسلاميين – وخاصة في فلسطين – من يعيشون حالة من الوهم والإنكار، ولا حيلة لهم لاستيعاب فقه الواقع، ومنهم من يجادلك الرأي ويُمنِّيك بالفرج القريب، وإذا سألته الدليل؛ باعتبار أن “البعرة تدل على البعير”، أجابك: إن لديه معطيات، واتبعها بما يقطع الشك باليقين، قائلاً: “وأعلم من الله ما لا تعلمون”!!
إشكالية الفهم عند الإسلاميين: تساؤلات مشروعة
إن هناك أسئلة وعلامات استفهام كثيرة تطرح نفسها على الإسلاميين، وربما لا تجد لها إجابات شافية عندهم؛ لأن قناعات الكثير منهم أنهم “ربَّانيون”، وأن كل ما يجري في هذا الكون هو “قدر الله”، فهم مسيَّرون، ولا حيلة لهم ولا قوة فيما جرت به المقادير!!
هذا الكلام يمكن أن تقوله طائفة من القدريين، ولكن أن يصدر من أشخاص لهم من وجاهة المنصب الكثير، فهذا يعتبر محاولة للتهرب من المسئولية، وتحميل أخطاء الممارسة على منطق القدرية: “نحن مسيَّرون ولسنا مخيَّرين!!”.
بصراحة، وبعد أكثر من عشرة سنوات من التخبط وتراجع الحال دينياً ومعيشياً، فإن خطورة المرحلة تتطلب أكثر من وقفة مسئولة للمراجعة وإعادة الحسابات وتصويب البوصلة.. إن من أكبر مظاهر الخطأ هو العناد والمكابرة والتناحة التي عليها عقلية بعض من هم في صدارة مشهد الحكم والسيادة.
لقد أشار الإمام حسن البنا (رحمه الله) لكيفية التسديد والمقاربة بالقول: “ليس الخطأ عيباً في ذاته، ولكن الرضا به والاستمرار عليه والدفاع عنه هو الخطأ كل الخطأ”.
نعم؛ أُقر وأعترف بأن الرئيس (أبو مازن) ليس هو الربَّان الذي يمكن أن يوصلنا إلى برِّ السلامة والأمان، ويحقق لنا طموحنا الوطني بدولة فلسطينية مستقلة، فالرجل محاط ببطانة مثل “ملأ فرعون” لا يعصون له أمراً، ويمالئونه الليل والنهار، وهذا – للأسف – هو حالهم، فماذا أنتم – يا قومنا – فاعلون؟ هل الحكمة هي في خرق السفينة أم البحث عن مقاربة ورؤية تنجينا ووطننا من هذه الورطة والمأزق الخطير، والذي كنا شركاء – بأيدينا – في صناعته.
إن قناعتي التي تتعزز يوماً بعد يوم هي أن كلينا (فتح وحماس) لم نعد نصلح لقيادة هذا الشعب العظيم، وأن جيلاً من رحم المعاناة والقهر والمظلومية بدأت ملامح جيناته تتخلق وتتعالى أصواته، بانتظار من يأخذ بيده، وينطلق به في رؤية أكثر وعياً ورشداً وحركية باتجاه مسار ديمقراطي تتعزز فيه مساحة الكرامة والنضال الفلسطيني.
وإذا ما استمرت المناكفات السياسية والمراوحة في نفس المكان بمربعاته وأبعاده فلن يبقى للقائمين على رأس الأمر رأي أو رؤية يمكن أن يحترمها الشارع الفلسطيني، المثقل بأعباء ما أوردوه إليه من دونية سياسية وهلاك.
إن المطلوب – اليوم – هو التفاتة سياسية ونهج مغاير في تعاملاتنا مع بعضنا البعض، والتعلم من تجارب الشعوب والأمم التي سبقتنا في شق طريقها للخلاص.
الدولة المدنية: النمط المعاصر للتعايش والحكم
إن من أهم التعريفات الجامعة للدولة المدنية أنها: دولة المواطنة وسيادة القانون، وهي الدولة التي تُعطى فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، فلا يكون فيها التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق،
وهي كذلك التي تضمن كفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية واحترام التعددية، والتداول السلمي للسلطة، وأن تستمد السلطة شرعيتها من اختيار الجماهير، وتخضع للمحاسبة من قِبَل الشعب أو نوابه.
وتتحدد مقومات الدولة المدنية من هذا التعريف في المقومات الخمسة الآتية: المواطنة، سيادة القانون، عدم التمييز بين المواطنين، الحرية واحترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة.
إن هذا التعريف لمصطلح “الدولة المدنية” هو تطبيق بدأ العمل به بعد أن حسمت معاهدة “وستفاليا” سنة 1648 الصراعات الدينية التي شهدتها أوروبا لقرابة المائة عام، وخرجت بنظام للتعايش بين الشعوب والأمم قائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان.. إن هذه الرؤية حول “الدولة المدنية” كنظام تبنى عليه صورة “العقد الاجتماعي” بين أبناء الوطن الواحد هو عمل يلقى القبول بين الكثير من الإسلاميين، وقد شاهدنا تطبيقات له في العديد من الدول التي تُعطي للإسلام مكانة متقدمة في دساتيرها وتشريعات الحكم فيها، وقد تناول هذا المصطلح في سياقات إيجابية الكثير من العلماء المسلمين كالشيخ يوسف القرضاوي والأستاذ راشد الغنوشي والشيخ عبد الفتاح مورو والشيخ عصام تلِّمة وآخرين.
وإذا ما تملينا هذا المفهوم للدولة المدنية كشعب مقيد بالاحتلال، ويتطلع للتحرير والعودة وبناء دولته الحرة المستقلة، فإننا سنجد أنفسنا قادرين على العمل في إطار الشراكة السياسية والتوافق الوطني، برغم ما بيننا من تباينات على مستوى فهم الدين والرؤية الأيدولوجية.
تركيا والمغرب وماليزيا: تجارب سياسية ناجحة
تعود معرفتي بالأتراك إلى بداية السبعينيات، حيث كانت انطلاقة الدعوة الإسلامية تمضي بصمت، ودخلت معقل العمل السياسي بحذر وسجلت نجاحات شعبية، الأمر الذي هيئ لنجم الدين أربكان (رحمه الله) أن يتدبر أمر معاركه مع العلمانيين بشيء من الذكاء والفطنة، وتمكن من الوصول إلى رئاسة الوزراء، ثم ترك المنصب حماية لمشروعه الإسلامي حتى لا يطحنه العسكر.
أعقب هذا المشهد إطلالة إسلامية مغايرة قادها رجب طيب أردوغان، حيث دخل إلى ساحة الحكم من باب أكثر رحابة وهو تبني الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفق ما كانت عليه المنظومات السياسية في الغرب.
تمكن أردوغان من بناء تركيا الحديثة، وقيادة مشروعه في التغيير والإصلاح بذكاء ونباهة، ونجح بتجاوز ساحات الخطر الذي كان يترصده في كل مكان. لا شك أن قناعاته ببناء الدولة على أسس مدنية هو ما أهلَّه في التغلب على مناؤيه ومن يتربصون به الدوائر.
لقد كانت المراجعات داخل حزب العدالة والتنمية هي صمام الأمان لتجنب الأخطاء القاتلة، وكانت عملية تحريك الوجوه وإبراز الكفاءات والانفتاح على الكل الوطني هي من أسهم بشكل كبير بحماية الزعيم وتحصينه بالوقوف الجماهيري الواسع حوله.
وإذا أخذنا تجربة ماليزيا ومثلها إندونيسيا، فإننا سنجد أن أركان الدولة المدنية متجذرة في نظام الحكم هناك، حيث تشهد تلك البلاد تطوراً اقتصادياً واستقراراً أمنياً، ونماذج إسلامية منفتحة أبوابها على الجميع، وعباءتها تتسع لشراكة الكل الوطني والعرقي في البلاد.
لم يكن المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي نجى من انهيارات الربيع العربي، ولكنه كان البلد الأذكى في تصرف الإسلاميين لخلق حالة من التعايش مع النظام، أسهمت في منع المواجهات والصدام المسلح، ووقف انهيار الأمن والاستقرار في البلاد. لقد قدَّم الإسلاميون في المغرب نموذجاً في الحكم يستحق الدراسة وأخذ العبر.
لقد عرفت الكثير من القيادات الإسلامية في المغرب منذ الثمانينيات في أمريكا؛ أي قبل أن التقيهم كزعماء ورجال سياسة في المغرب، وكان من الواضح أن فقه الدين والسياسة كان ناضجاً لديهم مبكراً، بل كانوا يُنظرون له.. ولذلك، عندما جاءت الفرصة اغتنموها وشدوا الرحال للنهوض ببلادهم.
تمنياتي لإخواني في حركة حماس ضرورة استيعاب معطيات الواقع، وتوسعة دائرة الحوار بينهم، وأن يعيدوا قراءة السُنن بعيداً عن الفهم القاصر لمعادلات السماء، لنتمكن من النجاة بقافلة الوطن، وإنقاذ شعبنا من الغرق.
ختاماً.. لإخواني في حركة حماس
إن هذه الحركة المباركة تمتلك من الطاقات والكفاءات ما يؤهلها لقيادة الشعب الفلسطيني لسنوات قادمة، ولكنها اليوم لا تبدو في أحسن أحوالها.. نعم؛ هناك تآمر وتواطؤ لتركيعها، وكسر شوكة المقاومة التي تقودها، وهذ أمر لا يخفى على أحد، حيث تحاصرها واجهات العداء العاتية من كل جانب.
السؤال الذي يطرحه البعض: هل إلى خروج من سبيل؟ بالتأكيد.. حيث إن لكل عقدة حلَّال، فالانحناء في وجه العاصفة ليس انكساراً، وليس فيه ما يجرح الهيبة أو يضعف المكانة.. المهم أن تعرف كيف تنحني وتتخطى “مثلث الموت”، والمتمثل برؤوس ثلاثة: أولاً؛ جبروت الاحتلال والحصار، وثانياً؛ غياب النصير وتكالب الأعداء، وثالثاً؛ تآكل روح الثورة والانهيار الداخلي.
إن حركة حماس تمتلك الكثير من العقول والإمكانيات الجماهيرية، ولديها ما يميزها من صفحات التاريخ النضالي الذي تحتضنه الذاكرة الجماعية لشعبنا العظيم، كما أن لها احتراماً كبيراً لدى شعوب أمتنا العربية والإسلامية.. إن كل هذا الرصيد في الداخل والخارج يؤهلها أكثر من غيرها للانفتاح السريع على “الكل الفلسطيني”، والعمل معه بروح الشراكة والتوافق الوطني، ليس فقط في الإطار القيادي وعبر لجنة هنا أو هناك، ولكن من خلال الاستعداد والعمل الدؤوب لتأثيث ذهنية قواعد الحركة وكوادرها للتعاطي مع الآخر الفلسطيني باعتباره شريك حقيقي “له ما لنا وعليه ما علينا”، وأن الوطن يحتاج الجميع؛ أهل اليمين وأهل الشمال، أهل الفن وأهل السلاح، الإسلامي واليساري والليبرالي، والابتعاد عن سياسة المفاضلات، فيما النزيف الوطني غطى كل الساحات.
جميل أن تلتقي قيادات حماس لتسمع من الجميع في سياق الرأي والمشورة، وتسود أجواء الصراحة والوضوح في لغة الخطاب، والتعاطي مع الجميع بروح “وإن يقولوا تسمع لقولهم” بالمعنى الإيجابي للمصطلح، كي يشعر “الكل الفلسطيني” أنه شريك فعلاً في القرار، كما هو شريك في الدم والمصير.
إن المحنة التي طالتنا ستزول يوماً ما، ولكن الذي يبقى في الذاكرة هو كيف نجحنا في تخطيها، وهذه هي مهمة الرجل الرشيد، والذي أعلم أن في حركة حماس كثير منه خارج مربع المشاهير والأسماء اللامعة، التي انهكتنا باجتهاداتها الخاطئة، وما تلبَّس بعضها من حسابات وأوهام.
باختصار: علينا أن ندرك أنه آن الأوان لإعادة النظر في الكثير من المواقف والسياسات، وإعادة هيكلة الحركة بما يسمح بفهم أفضل للتعددية السياسية والشريك الآخر، واستيعاب ناضج لجدلية التحدي والاستجابة في منطوق الصراع.. آن الأوان لحركة حماس أن تخرج من فلسفة “دعوها فإنها مأمورة”، وعليها أن تأخذ بالأسباب، إذ ليس بيننا اليوم نبي مرسل نركن إليه، ويأتيه وحي السماء من بين يديه ومن خلفه.
إن علينا أن نتعلم من نجاحات الآخرين، وأن نتجاوز بحكمة ما نحن عليه من حالٍ البؤسُ أشقاه.. لا نريد اليوم الكثير من الخطب والمواعظ، بل واقعاً نتعايش فيه “على الحلوة والمرة”، ولا نسمح فيه للتفاضل الذي يوحي بأن هناك في مظاهر العيش طبقية يَعنُّ لصاحبها القول: “وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً, وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا”.
إننا نتطلع لقيادة الرجل الرشيد الذي يرينا من نفسه القدوة والمَثل، ويجتمع الناس حوله باعتباره المنقذ والمخلِّص، والذي تتسع مساحات رؤيته لبناء كيان تقوم أساساته على مفهوم الدولة المدنية والشراكة السياسية، التي تحتضن “الكل الفلسطيني”، وتعطي لكل ذي حقٍ حقه.
إن القيادة التي تتحرك بعنجهية منطق الفرعون “ما أريكم إلا ما أرى”، أو التي تحكم بعقلية “سدنة المعبد”، من حيث حصرية امتلاكها لصكوك الطهارة الوطنية، لا تملك حقيقةً أهليّة إخراجنا مما نحن فيه من كارثة وطنية، وأن جدارتها في مشهد الحكم والسياسة أمرٌ مشكوك فيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غزة.. عبد الهادي راجي المجالي

أريد أن أذهب إلى غزة , وهناك سأصبح (ابو عكرمة الغزاوي) ..سيجدون ...