الرئيسية / أقلام وآراء / المجلس الوطني أمام استحقاق إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية..معتصم حمادة

المجلس الوطني أمام استحقاق إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية..معتصم حمادة

لا شيء يبرر للمجلس عدم مراجعة تجربة أوسلو والتحرر من قيودها لصالح البرنامج الوطني الموحد

• فشلت السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال في أن تكون نواة الدولة المستقلة. الأمر الذي يتطلب البناء على هذا الشيء مقتضاه
• إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير وفق خطة إعادة بناء سياسية وتنظيمية هو باب الخروج من أوسلو
• إعادة النظر بصلاحيات السلطة كإدارة ذاتية وإعادة وضعها في إطارها السياسي المناسب
■ ينعقد المجلس الوطني الفلسطيني، في 30/4/2018، ولأول مرة منذ آخر دورة له في العام 1996. شهد خلال هذه الفترة الطويلة مشروع أوسلو تراجعاً حاداً، ووصل إلى الفشل الذريع. ومنذ مفاوضات كامب ديفيد2(تموز/ يوليو 2000) التي انهارت تحت وطأة التعنت الاسرائيلي، والانحياز الأميركي، وفساد الأساس السياسي الذي استندت إليه وإلتزمته، عاش اتفاق أوسلو موتاً سريرياً، لم تنجح كل محاولات الإنعاش الأميركية ولا سياسة الاستجداء من الجانب الفلسطيني، في إعادة الحياة إلى مفاصله.
أخذ المشروع منحاً عكسياً، بدأت معه صلاحيات السلطة الفلسطينية تتقلص شيئاً فشيئاً، لصالح تغول سياسة الإدارة المدنية الاسرائيلية، وسياسة الاحتلال وتوسيع مشاريع الاستيطان، والبدء في رسم العناصر الميدانية، والوقائع اليومية لرؤية حكومة نتنياهو لما يسمى بـ «الحل الدائم»، من جانب واحد، وخارج طاولة المفاوضات. وفشلت في هذا السياق، محاولات بناء الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، إن كما طرحها رئيس الوزراء الأسبق الدكتور سلام فياض، أو الحكومة الحالية في السلطة الفلسطينية. وأصاب القيادة الفلسطينية شيء من الإرباك والإرتباك العميق. فتارة، تعترف أمام مجلس الأمن الدولي في 20/2/2018 أن رجال السلطة الفلسطينية أصبحوا مجرد موظفين تحت سلطة الاحتلال، وأن السلطة الفلسطينية باتت بلا سلطة، وأنها مجرد وكيل لاحتلال بلا كلفة، وتارة أخرى تعلن أن مشروع بناء الدولة بات جاهزاً، وأن الكيانية الحالية المسماة «سلطة» تملك كل مقومات وعناصر الدولة، ماعدا عنصر واحد، هو بقاء الاحتلال وسيطرته على الوضع العام، بأرضه، وفضائه، وبحره، ومياهه، وطرق مواصلاته، وأدوات اتصالاته مع الخارج.
ولعل آخر فصول فشل مشروع أوسلو (حتى الآن) إطلاق صفقة القرن الأميركية، التي كانت القيادة الفلسطينية الرسمية أول من رحب بها، وبنى عليها أوهام الوصول إلى «حل الدولتين» تحت الرعاية الأميركية المنفردة. كما كانت القيادة الرسمية الفلسطينية أكثر الأطراف السياسية استعجالاً وتعجلاً لإطلاق المشروع الأميركي ووضعه قيد التنفيذ. وعندما تبين أن الصفقة هي في حقيقتها «صفعة العصر» (لمن راهن عليها وبنى استراتيجيته على أساسها) أصيبت السياسة الرسمية الفلسطينية بإحباط شديد، حاولت أن تنفس عنه بتعطيل المؤسسات، والاستفراد بالقرار، والتهرب من الاستحقاقات، وإدارة الحروب المحلية، على حساب التفرغ للمعركة الأساسية، معركة التصدي لصفقة العصر، وما يتطلبه الأمر من خطوات عملية، في مواجهة التطبيقات الميدانية لهذه الصفقة، منذ الإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، مروراً بالاعتراف «بشرعية» الاستيطان، وصولاً إلى إطلاق النار على حق العودة للاجئين لشطبه عبر قتل وكالة الغوث، وصولاً، أخيراً، وليس آخراً، إلى نزع صفة «المحتلة» عن الضفة الفلسطينية، والقدس الشرقية، وقطاع غزة، والجولان السوري، واعتبار هذه المناطق، بموجب التعريفات والخرائط الأميركية جزءاً من اسرائيل، ما يمهد أمام حكومة نتنياهو الطريق لإعلان، وتجديد إعلان، ضمها إلى إسرائيل، وحسم «قضايا الحل الدائم»، بحيث لا يبقى لطاولة المفاوضات ما يستحق التفاوض عليه.
ومع أن المجلس المركزي الفلسطيني، اتخذ في 15/1/2018، قرارات ملزمة، أعاد فيها التأكيد على قراراته في 5/3/2015، اعتبرت، بميزان التوافق الوطني، الحد الأدنى المطلوب لإخراج الحالة الفلسطينية من أزمتها، والتحرر من قيود استراتيجية أوسلو، لصالح استراتيجية كفاحية بديلة، إلا أن القيادة الرسمية جمدت العمل بهذه القرارات، في خطوات استفرادية، متناقضة مع مفاهيم وقيم ومبادئ العمل الجبهوي، (على افتراض أن م.ت.ف هي الجبهة الوطنية المتحدة للشعب الفلسطيني) ومبادئ الائتلاف الوطني، وذهبت منفردة إلى مجلس الأمن، من وراء ظهر المجلس المركزي وخلافاً لقراراته، ومن وراء اللجنة التنفيذية، وخلافاً لقراراتها، لتعيد تجديد إلتزامها اتفاق أوسلو، وإلتزامها ما يمليه عليها من تعهدات سياسية وأمنية وإقتصادية في رهان عنيد، على أن المفاوضات (المعطلة عملياً منذ تموز/يوليو/2000) هي السبيل الوحيد الى الحل، وأن أوسلو، مازال صالحاً للوصول الى حل يلبي الحدود الدنيا من مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، ضاربة بعرض الحائط، قرارات الاجماع والتوافق الوطني، متجاهلة التجارب والكوارث المرة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، خلال المسيرة البائسة لمشروع أوسلو الفاشل.
أزمة مركبة ومستديمة
ما يزيد الأمور خطورة، أن مصادر المطبخ السياسي في السلطة الفلسطينية، بدأت تروج، منذ الآن، أن دورة المجلس الوطني سوف تتبنى «رؤية الرئيس عباس» للحل، أي خطابه في مجلس الأمن في 20/2/2018، مما سيعيد الأمور الى الخلف، ويقود الى تعميق الأزمة، من خلال تحويل «رؤية» سياسية، هي موضع خلاف بين القوى الفلسطينية الى «إستراتيجية» يصادق عليها المجلس الوطني. أي بتعبير آخر، تجديد مصادقة المجلس الوطني على خيارات أوسلو، في تعامٍ كامل عن الواقع الحقيقي للحالة الوطنية الفلسطينية، وفي إصرار عنيد على عدم مغادرة سياسة «الافلاس السياسي».
ومن شأن هذه السياسة أن تعمق الأزمة السياسية، وأن تعمق أزمة السلطة، وأن تضعفها أكثر فأكثر، وأن تعزز من سطوة الإحتلال وقدرته على الفعل اليومي في خدمة مشروعه، وأن تعمق حالة اللايقين التي تهيمن على وعي وقناعة صف عريض من الفلسطينيين، فقدوا ثقتهم بقدرة الصيغة القيادية الحالية، واستراتيجيتها، على اخراج القضية من مأزقها. وبات صوت المطالبة بالتغيير هو الأعلى: تغيير السياسة والإستراتيجيات، وآليات العمل، والصيغ القيادية القائمة على التفرد والإستفراد، وتهميش باقي القوى أو تجاهلها، وتجاهل عناصر القوة الفلسطينية المتمثلة في الحركة الجماهيرية التي لا مدخل لإستنهاضها، إلا بإستعادة الوحدة الداخلية.
كذلك من شأن هذا الأمر، إن هو وقع في دورة المجلس الوطني القادمة، أن يضعف أكثر فأكثر الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي قامت على أسس ائتلافية، جوهرها التوافق على البرنامج السياسي الوطني، برنامج العودة وتقرير المصير والإستقلال والحرية والكرامة الوطنية؛ والتي اعترف بها المجتمع الدولي ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، في ظل هذا البرنامج. ولا داعي للتهرب من الحقيقة القائلة إن الموقع التمثيلي للمنظمة قد ضعف، وضعف كثيراً بعد اتفاق أوسلو. وإن السياسة التي اتبعت في ظل أوسلو أدت الى تهميش الدور السياسي للمنظمة، وإفراغ مؤسساتها من مضمونها، وإحالة هذا كله الى السلطة الفلسطينية. من أمثلة ذلك تهميش اللجنة التنفيذية وتجريدها من صلاحياتها. وتعطيل دوائرها المختلفة. آخر هذه الدوائر التي كانت فاعلة، أي دائرة شؤون المغتربين، جرت مزاحمتها، على طريق إزاحتها، عند تعديل وظيفة وزارة الخارجية في السلطة الى وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، الأمر الذي استجاب لشجع البيروقراطية في مؤسسة السلطة للهيمنة على الحركة الجماهيرية في المغتربات، وشقها وتعليبها في قوالب ضيقة لا تتجاوز سقف السلطة ومشروعها السياسي، بعد أن نجحت دائرة شؤون المغتربين في توحيدها والتعاون معها على إطلاق قدرتها وكفاءاتها في فضاء المبادرات الديمقراطية للحركة الشعبية. سبق ذلك إلغاء الدائرة السياسية، التي كان يتولاها عضو اللجنة المركزية السابق في فتح فاروق القدومي، وحلت محلها وزارة الخارجية في السلطة، في سياق تعزيز قبضة المطبخ السياسي الفلسطيني، وتعزيز موقع السلطة على حساب الموقع السياسي والتمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ما نقف أمامه الآن يمكن رسمه على الشكل التالي:
• منظمة التحرير الفلسطينية الهشة، والمشلولة، والتي لم يتبق منها إلا بقايا ( لجنة تنفيذية بلا صلاحيات، ومجلس مركزي لا تطبق قراراته) وإلا العنوان. هو العنوان الذي يحافظ عليه أصحاب مشروع أوسلو وشركاؤهم، لأنها الجهة المعنية بالتوقيع على إتفاق «الحل الدائم». هي التي وقعت أوسلو. وهي المعنية بالتوقيع على الخواتيم الكارثية المرتقبة لهذا الإتفاق.
• سلطة فلسطينية، فشل مشروعها السياسي، وفشلت في أن تتحول إلى نواة للدولة الفلسطينية. صلاحيتها تتقلص يوماً بعد يوم، بإعتراف تصريحات قياداتها. تحول رجالها إلى موظفين عند الإحتلال (بإعتراف رئيس السلطة في 20/2/2018) وأصبحت أشبه بوكيل للإحتلال (بإعترافه هو أيضاً). طريق الحل السياسي أمامها مسدود. وما هو معروض عليها، سياسياً، لا يستطيع أي مسؤول فلسطيني أن يقبل به (على حد قول رئيس السلطة … أيضاً) إذن …
نحن أمام مأزق مركب. منظمة تحرير فارغة، وهياكلها تكاد تنهار. وسلطة فشلت في إنجاز برنامج الخلاص الوطني.
ما هو الحل؟
لن يكون الحل على الإطلاق في ما يتم التخطيط له. أي إعادة الإعتبار لإتفاق أوسلو الميت. بل يكمن الحل في إعادة الإعتبار إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وتجديدها كعنوان لوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة قواه السياسية، ووحدة برنامجه، ووحدة حقوقه الوطنية، وممثله الشرعي والوحيد. وهذا لا يكون بإصدار بيان أو إصدار قرار أو إعادة التأكيد على هذه الثوابت في جمل مبتسرة، لا دور لها، سوى الإلتفاف على الأمر والتحايل عليه. هذا يكون بسلسلة إجراءات عملية شجاعة، تقود إلى إعادة تصحيح ما خربه إتفاق أوسلو وإلتزامات أوسلو. ونعني بذلك الفصل بين السلطة، وبين م.ت.ف، في الصلاحيات والدور، وعلى قاعدة أن منظمة التحرير هي المرجعية العليا للسلطة، وهي صاحب القرار، خلافاً لما هو قائم الآن. فقد ابتلعت السلطة الفلسطينية كل صلاحيات م.ت.ف.
في مقدمة هذه الخطوات (وهي خطوات تنظيمية ذات مضمون سياسي من الطراز الأول):
• إعادة الإعتبار للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. بإعتبارها القيادة اليومية للشعب الفلسطيني، في أماكن تواجده كافة. وهذا يفترض أن يكون جدول أعمالها، القضية الفلسطينية من جوانبها كافة، داخل المناطق المحتلة وخارجها. مثل هذه النقلة تفترض أن يعاد الإعتبار لدوائر اللجنة التنفيذية، بدءاً من إعادة تشكيل الدائرة السياسية والفصل بين مهمات وزارات السلطة المعنية بإدارة الخدمات اليومية للفلسطينيين في مناطق مسؤوليات السلطة، وبين مهمات دوائر م.ت.ف، التي تشمل كافة تجمعات الشعب الفلسطيني في العالم كله. وبحيث تمارس المنظمة موقعها التمثيلي للشعب الفلسطيني ليس عبر البيانات، بل عبر أقنية وخطط وبرامج عمل تعبر عن مصالح الشعب وهمومه، سياسية كانت أم إجتماعية.
• إعادة الإعتبار للمجلس المركزي الفلسطيني، بإعتباره المحطة التشريعية الوسيطة، بين المجلس الوطني، واللجنة التنفيذية، وبحيث تكون قراراته ملزمة للجنة التنفيذية، وتكون اللجنة ورئيسها مسؤولين أمام المجلس المركزي، في دورات إنعقاده المنتظمة، عن الدور الذي تضطلع به «التنفيذية» على المستوى الوطني العام والشامل، الأمر الذي يعيد الحياة إلى الديمقراطية في العلاقات الوطنية، وإلى رسم الحدود في العلاقات بين المؤسسات، ويضع حداً لسياسة التفرد، وينحي جانباً المطبخ السياسي الذي يلعب دور البديل المجهول ـــــ المعلوم لباقي المؤسسات الوطنية.
وكذلك العمل على توسيع صلاحيات المجلس المركزي، كأن يمنح صلاحية ملء الشواغر في اللجنة التنفيذية. بديلاً للمجلس الوطني. مما يضع حلاً لأي طارئ قد يصيب أحد أعضاء «التنفيذية» قد يستدعي تغيبه، كما هو حال ممثل الجبهة الشعبية. فليس منطقياً أن يبقى ممثلها/ البديل في «التنفيذية» عضواً مراقباً لفترة طويلة إلى أن ينعقد المجلس الوطني (وقد لا ينعقد إلا خلال فترة طويلة جداً كما هو حال المجلس الحالي). كذلك يمكن منحه صلاحيات حل المجلس التشريعي المعطل منذ العام 2007، وأن يمارس هو صلاحيات المجلس التشريعي، بما يوفر رقابة تشريعية، ليس فقط على اللجنة التنفيذية، بل وعلى حكومة السلطة الفلسطينية ورئيسها، ويضع حلاً لسياسة تغول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، في لجوئها إلى سن القوانين وإصدار المراسيم، دون حسيب أو رقيب، لا على المستوى الشعبي ولا على المستوى الرسمي، أي مستوى المجلس التشريعي.
• إعادة الإعتبار للصندوق القومي الفلسطيني بإعتباره مصدر التمويل الفلسطيني الأول لكل المؤسسات الفلسطينية. ومنح المجلس المركزي صلاحيات ملء الشواغر في إدارة الصندوق عند الضرورة من الشخصيات المستقلة التي تتوفر فيها الصفات المطلوبة لعضوية إدارة الصندوق. وأن يقدم الصندوق تقاريره الدورية إلى المجلس المركزي في دوراته المنتظمة، ما يضع حداً لسياسة التفرد بالقرار المالي، ويضع حداً لسياسة تحويل مال الصندوق إلى سلاح سياسي بيد المطبخ السياسي، لتصفية حساباته وخلافاته السياسية مع الفصائل والأفراد.
• إعادة الإعتبار للجان الإختصاص في المجلس الوطني، التي تجتمع إبان إنعقاد دورة المجلس الوطني، ثم تتعطل، لحين إنعقاد الدورة الجديدة. ما يغيب دور الرقابة البرلمانية على أعمال اللجنة التنفيذية وأعمال الصندوق القومي وغيرها. المطلوب توفير صلة تمكن هذه اللجان من مواكبة أعمال المجلس المركزي، بإعبتارها جزءاً من التشكيل الوطني الجامع للحالة الفلسطينية في العالم كله، وبإعتبارها طريقاً في الرقابة البرلمانية على مسار العمل والحياة السياسية والمشروع الوطني الفلسطيني.

إعادة الإعتبار للمجلس الوطني
تنعقد هذه الدورة بغياب عدد غير قليل من القوى والفصائل الفاعلة في الحالة السياسية الفلسطينية. ولا يفيد في هذا السياق تلك التبجحات الفارغة للبعض بالتأكيد أن المجلس سوف ينعقد «شاء من شاء وأبى من أبى»، أو من لا يعجبه «فليشرب من بحر غزة». هذه التصريحات إستفزازية، لا تعبر عن القدر الضروري من المسؤولية الوطنية، ولا تؤسس لمعالجة قضايا الخلاف والإنقسام في الساحة الفلسطينية.
مادامت هذه الدورة ستنعقد، فمن المصلحة الوطنية الفلسطينية الإتفاق على صيغة تعيد للمجلس الوطني إعتباره، كونه البرلمان الفلسطيني، لكل الشعب، في المنفى. وهذا يكون بالإتفاق على أن تكون هذه الدورة هي الأخيرة للمجلس الحالي. يتم بعدها الإتفاق على مجلس جديد، بالإنتخاب الشامل، في الداخل والخارج، حيث أمكن، وبنظام التمثيل النسبي الكامل. تشارك فيه القوى الفلسطينية كافة، بما يضمن حقها القانوني في المشاركة في الإنتخاب. وهو ما يعيد تموضع هذا المجلس في مكانه السليم، بإعتباره مجلساً وطنياً لكل الشعب وكل قواه ومكوناته السياسية والإجتماعية في العالم كله، بعيداً عن نظام الكوتا، والتعيين، وفك وتركيب الهيئات، وإغراق المجلس بالأزلام والمحاسيب والموالين، ونفخ قوى أكبر من واقعها، لا شيء إلا لضمان ولائها للمطبخ السياسي وقراراته، «ظالماً كان أم مظلوماً»، وسنداً له في معاركة الجانبية التي أثخنت الجسم الفلسطيني بالجراح. عند ذاك لن يعود مكان إنعقاد المجلس الوطني، أو حتى المركزي، موضوعاً للنقاش. يجتمع حيث يمكن للجميع الوصول إليه. ولا مانع من إجتماعه في «المنفى»، أي في إحدى العواصم العربية، مادام هو «البرلمان الفلسطيني في المنفى».
• وفي هذا السياق كله يفترض أن تكون عملية التجديد وإعادة البناء قد طالت الإتحادات وباقي المؤسسات الشعبية الوطنية، التي تقرر أن تقوم على مبادئ الديمقراطية في الإنتخابات الحرة، بنظام التمثيل النسبي الكامل، مما يعزز من بنيان الحالة الشعبية، ويوحد حركتها في مناطق تواجدها، إن عبر إتحاداتها الشعبية، والنقابية أو عبر مؤسساتها الأخرى، التي تشكل عامل توازن في العلاقة مع السلطة (أي السلطة الفلسطينية والمؤسسات الرسمية في م.ت.ف) وما يعزز الرقابة الشعبية ويفتح الباب لكل فئات ومكونات الشعب في مناطق تواجده للإنخراط في العملية النضالية بديلاً لما هو قائم الآن: على سبيل المثال مسيرات العودة في غزة يجري «التضامن» معها في الخارج. وكأن الخارج غير منخرط في العملية الكفاحية.

البرنامج الوطني الفلسطيني
هذا كله، يقوم على أساس برنامجي متين، هو البرنامج الوطني الفلسطيني الذي لا يحتاج إلى جهد كبير لإعادة بلورته. فقد تم التوافق على وجهته العامة عام 2005 في الحوار الوطني في القاهرة. ورسمت عناوينه وبعض تفاصيله وثيقة الوفاق الوطني في 26/6/2006 (وثيقة الأسرى التي تم تطويرها) ثم حوارات القاهرة وعمان (2009/2011/2013)، وبعدها المصادفة على تفاهم المصالحة بين فتح وحماس (22/11/2017) وفي السياق أعمال اللجنة التحضيرية في بيروت (كانون الثاني/يناير 2017)، وهذا كله يشكل أساساً لبلورة برنامج وطني يأخذ بالإعتبار الواقع السياسي، وينطلق في تطبيقات قرارات المجلس المركزي في دورتيه في 5/3/2015 و 15/1/2018.

بعيداً عن الأوهام
بعيداً عن الأوهام، نعتقد أن الوصول إلى توافقات على هذا كله، يتطلب معركة سياسية على كل المستويات، الفائز فيها هو كل الشعب الفلسطيني وكل قواه السياسية. والخاسر فيه هو الرهان الإسرائيلي والأميركي على إستمرار حالة الوهن والعطب والإنقسام الفلسطيني، بما يمكن الطرفين من فرض مشروعهما وتمريره بأساليب مختلفة، تجمع بين البطش الدموي، وفرض الوقائع الميدانية على الأرض.
هذه السياسة من شأنها أن تعيد التوازن إلى العلاقة بين مؤسسات السلطة الفلسطينية من جهة، وبين مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى.
• كما أن هذه السياسة من شأنها أن تعيد التوازن إلى العلاقات الوطنية الفلسطينية الداخلية على أسس إئتلافية تشاركية تستبعد سياسة التفرد بالقرار.
• كذلك من شأنها أن تعيد التوازن إلى العلاقات بين المؤسسات الوطنية، ومكونات الحالة الشعبية، على أسس الثقة والتفاعل واستعادة اليقين، واستنهاض عناصر القوة الجماهيرية وباقي عناصر القوة الفلسطينية.
فضلاً عن أن مثل هذه السياسة تعيد كل طرف إلى حجمه الحقيقي:
• مؤسسات السلطة الفلسطينية بما هي إدارة ذاتية محدودة الصلاحيات، تحت سقف الاحتلال، لإدارة الحياة اليومية للمجتمع الفلسطيني في المناطق المحتلة.
• مؤسسات م.ت.ف، بما هي الجسم الكفاحي الموحد للشعب الفلسطيني، المتحرر من قيود أوسلو وإلتزاماته، ينطلق في فضاء الكفاح الوطني الفلسطيني، بمعزل عن تقلبات الحالة في المناطق، وبمعزل عن ضغوطات إجراءات الاحتلال وقيوده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحرية للأخت المناضلة سماح ابوعياض عضو لجنة إقليم حركة فتح إقليم الوسطى

زمان عن الاعتقال الإداري وخاصه الذي يطال الاخوات وزمان عن التمسك بالراوية ...