تاريخ الشعوب ليس مجرد أحداث تدافعت على قطعة أرض أو على مساحة من الزمن لأناس عبروا عليها، بل أنه الذاكرة الوطنية التي تسري في عروق البشر والأماكن هي جزء من تلك الذاكرة التي تحفظ الأحداث روحها ، تتركها الشعوب كما هي لأن آخر من مروا من هناك هم من صنعوا للمكان عبقريته كأن آثار أقدامهم تشي بأنهم كانوا للتو.

ياسر عرفات انه بطل الذاكرة الوطنية بلا منازع والزعيم الذي تفتح وعي أجيال على زعامته عاد الى هنا حاملاً ارثاً طويلاً من الترحال ومعارك الشرف الوطني بعد تشتت طويلا حط على الشاطيء بلا سفن، كانت طائرته الصغيرة تحمل على جناحها ارثنا المخضب بالدم ولسنوات كان ذلك المكان قبلة الفلسطينين ومهبط طائرته هو عنوان الأمل لشعب أسدل بعده الستار على بقايا الأمل ليفتح كابوساً من العبث بعد رحيله.

قبل عشرة أيام نشر الصديق فريح أبو مدين وزير العدل السابق على صفحته على الفيسبوك صورة فاجأنا خلالها بمشروع بناء مقر للسفير القطري في غزة مكان المهبط ولم يأخذ الكثيرون بها وبالأمس أعاد اطلاق ما يشبه المناشدة لأمير قطر يدعوه فيها الى ترك هذا المكان الذي يحتضن بقايا الذكريات وأطلال طائرة الزعيم على اعتبار أن في هذا المكان انولد تاريخنا العائد من الشتات يحمله الراحل في حقيبته الصغيرة.

الشعوب الوفية لذاتها لا تفرط بالأماكن ولا تبيعها لأن تاريخها ليس للبيع حتى وإن اختلفت مع صانعيه، قبل نصف عام زرت في اسطنبول قصر “الدولما باخشي” الذي توفى فيه بطل حرب الاستقلال التركي كمال أتاتورك، كل شيء تركته الدولة كما هو، طاولة السفرة تحتفظ بأدوات الزعيم التي تناول عشاؤه الأخير، الأثاث العتيق كل شيء هناك جزء من تاريخهم الذي جعلوه قبلة للسياح الأتراك وغيرهم يستعرضون تاريخهم المجيد الذي يختلفون مع صانعه لأن الحزب الحاكم في تركيا الاّن على النتقيض مع الارث الأتاتوركي .

نحن كأننا بلا أب وبلا تاريخ وكل شيء لدينا كأنه عابر على هذه الأرض كيف يعطي واحداً من أهم الأماكن التي يفترض أنها تحولت الى مزار هكذا وبكل بساطة ليتم تجريفه واقامة مقر للسفير القطري؟ ألم يجدوا غير هذا المكان؟ خمسة دونمات من عشرين دونماً هما القطعة المتبقية على الشاطيء والتي تعد مستقبل غزة أهكذا يجري التفريط بكل بساطة؟ وكيف تدار البلد بكل هذا الاستخفاف بنا وبتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا ؟ومن أعطى لقطر قطعة الأرض ؟

يمكن لقطر أن تشتري أينما تشاء لأن بامكانها أن تشتري بأموالها كل غزة وأن تختار أية قطعة من الأملاك الخاصة، هذا اذا سلمنا بحقها في اقامة سفارة في غزة أو ما يشبهها تحت مسميات أخرى، فهي ليست دولة فقيرة بحاجة لمساعدتنا حتى تنتظر هبة من الأراضي الحكومية وأهمها وأكثرها ارتباطاً بذاكرتنا الوطنية لتقوم بطمس معالمها بامكانها أن تشتري واحداً من الفنادق المقامة على الشاطيء وتحويله الى مقر فكل الأسعار هنا في غزة مجرد فكة أمام الأموال القطرية.

لا أظن أن حركة حماس التي أهدت الأرض دون أن تقوم بالحسابات العاطفية اللازمة ستتراجع عن قرارها، يبقى الحل الوحيد هنا بين قطر وسفيرها أن تعلن تخليها عن الهدية وهذا يتطلب القيام بحملة ينبغي أن تصل للقيادة القطرية التي لا يشكل لديها المكان فرقاً كبيراً لكنه بالنسبة لنا شيء كبير الا اذا كان اختيار مكان ياسر عرفات مقصودا وأغلب الظن أنه ليس كذلك ، كنا قد تداولنا الأمر الأسبوع الماضي مع الصديق فريح أبو مدين والذي رأى أن يفتتح الحملة بمناشدة ينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي واذا لم يتم التراجع نرسل رسالة باسم شخصيات وكتاب قطاع غزة للأمير تميم واذا تطلب الأمر نقوم بجمع تواقيع بالآلاف ، على قطر وحماس أن يعرفا أن هذا المكان بالنسبة لنا ليست مساحة أرض بل ذاكرة واّمال كان يوما ما قبل أن تنطفئ جذوته في صراع السلطة .

لكن السؤال الأهم لماذا لا يرسل الرئيس أبو مازن رسالة رسمية لأمير قطر يطالبه وقف هذا المشروع واستبدال هذا المكان لأن بامكان الرئيس أن يوقفه فعلاً، فقطاع غزة بالمعني القانوني جزء من أراضي السلطة الوطنية التي يرأسها رئيس السلطة ولا يحق لأحد الاقتراب منه أو التصرف فيه من الدول الخارجية دون موافقة السلطة فلماذا تصمت السلطة على ما يحدث؟ سؤال كبير حاول السفير القطري الاجابة عليه في لقائه مع الصحفيين في غزة الأسبوع الماضي .

على الرئيس أبو مازن أن يطلب من قطر عدم بناء مقر على أرض مهبط طائرة عرفات احتراما لتاريخنا ،ولنرى ان كانت قطر سترفض الاستجابة وأغلب الظن أنها ستستجيب فلن تقبل بمعارضة الارادة الشعبية والرسمية الفلسطينية لأن لها تبعاتها السياسية والاعلامية وخصوصا في هذه اللحظة بالذات التي تتعرض فيها لهجوم دول عربية لا تحتمل أن ينضم لهم الفلسطينيون مسلحون بقضية اسمها العبئ بارث ياسر عرفات ، لا يوجد خيارات الا أن تتراجع قطر وليس هناك سوى وسيلتين اما رسالة رسمية من الرئيس أو حملة اعلامية وشعبية في غزة..!!!